سهيلة عبد الباعث الترجمان

200

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

اللدنيّ ، أي حدّثوا عن ربكم واتركوا فلانا وفلانا فإن أولئك أكلوه لحما طريّا والواهب لم يمت وهو أقرب إليكم من حبل الوريد ، والفيض الإلهي والمبشرات ما سدّ بابها ، وهي من أجزاء النبوّة ، والطريق واضحة ، والباب مفتوح ، والعمل مشروع ، واللّه يهرول لتلقّي من أتى إليه يسعى . . . فمن كان معك بهذه المثابة من القرب مع دعواك العلم بذلك والإيمان به لم تترك الأخذ عنه والحديث معه . . . " « 1 » فابن عربي يرى في عرض آراء أستاذه دعوة ملحّة إلى الاتجاه الصوفي الصحيح البعيد عن أي لبس ، وقد جاء على ذكره في كثير من المواضع في مختلف كتبه كالفتوحات والمواقع والفصوص وغيرها . ويقول فيه ابن العماد : " كان أبو مدين منقطع القرب في العبادة والنسك ، بعيد الصيت ، ويسميه محي الدين بن عربي شيخ الشيوخ ، ونشر اللّه ذكره ، وتخرّج به جماعة العقلاء كأبي عبد اللّه القرشي وغيره . وانتهى إليه كثير من العلماء المحققين وفضلاء صالحين كابن عربي وله في الحقائق كلام واسع " « 2 » . فإذا كان هذا حال ابن عربي في بلاد المغرب خلال الثلاثين سنة الأولى من حياته الصوفية فإلى أي حد انتفع بصوفية المشرق وما مدى معرفته بهم ؟ الواقع أن الزهد الذي بدأ في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، قد تحوّل تحولا واضحا نحو التصوف ، وتمثل في أقوال البسطامي والجنيد والحلاج وغيرهم . ويذكر ابن خلدون أن الصوفية في هذا العصر بدأوا بمجاهدة النفس ومحاسبتها والكلام في الأذواق والمواجيد ، والترقّي فيها من ذوق إلى ذوق ، وشرح المصطلحات المتعارف عليها بينهم ، كما عرفوا تسميات عديدة منذ هذا العصر لعلمهم ، فعرف بعلم الباطن - ويقصدون به إصلاح باطن العبد من الناحية الأخلاقية - وبعلم الحقيقة ، وبعلم الوراثة ، وبعلم الدراية في مقابل علم الظاهر وعلم الشريعة وعلم الدراسات وعلم الرواية « 3 » . وقد ظهر إبّان ذلك اتجاهان واضحان للتصوف ، الاتجاه الأول يمثله صوفية التزموا

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 280 . ( 2 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، مجلد 4 ، ص 303 . ( 3 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مدخل إلى التصوف الإسلامي ، الطبعة الثانية ، دار الثقافة ، القاهرة ، 1976 ، ص 43 .